يشكل الإنترنت أداة أساسية في حياة الأفراد والمجتمعات. فهو لم يعد وسيلة للترفيه فقط، بل أصبح منصة للتعليم، العمل، والتعبير عن الرأي. لذلك، عندما تقطع الحكومات الاتصال بالشبكة، تتأثر قطاعات متعددة بشكل مباشر.
غالبًا ما يُبرَّر الحجب بأسباب أمنية. مع ذلك، تشير العديد من الأحداث إلى استخدامه كأداة سياسية. يظهر هذا خاصةً في أوقات الاحتجاجات أو الانتخابات، حين تسعى السلطات للسيطرة على تدفق المعلومات. في هذا المقال، نستعرض الأسباب، والآثار، وطرق المواجهة.
متى ولماذا تلجأ الحكومات إلى حجب الإنترنت؟
1. أثناء الاحتجاجات الشعبية
تعتمد بعض الأنظمة على الحجب عندما تواجه تظاهرات حاشدة. إذ يهدف هذا الإجراء إلى منع التنسيق بين المحتجين وتقليل التأثير الإعلامي.
- في إيران مثلًا، قُطعت الإنترنت خلال احتجاجات عام 2019، ما تسبب في عزل السكان وغياب التغطية الدولية للأحداث.
- في أوغندا، حصل الحجب خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2021، في محاولة للحد من الانتقادات الإلكترونية.
2. بعد قرارات سياسية مثيرة للجدل
تقطع الحكومات الاتصال أحيانًا بعد تغييرات قانونية أو دستورية كبيرة. فهي تسعى لتفادي ردود الفعل السريعة من السكان أو الإعلام.
- في كشمير، حجبت الهند الإنترنت لمدة أشهر بعد سحب الوضع الخاص للإقليم في 2019.
- تكرر المشهد في ميانمار بعد الانقلاب العسكري عام 2021.
3. بحجة منع الشائعات أو “الاضطرابات”
تُبرر بعض الدول الحجب على أنه خطوة وقائية. لكنها غالبًا لا تقدم أدلة واضحة، ولا توضح المعايير المستخدمة لاتخاذ القرار.
كيف يتجاوز الأفراد الحجب الرقمي؟
1. استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN)
توفر VPN وسيلة فعالة لتجاوز الحظر. إذ تسمح للمستخدم بالاتصال عبر خوادم أجنبية، ما يُخفي موقعه الجغرافي الحقيقي.
- يلجأ الملايين حول العالم إلى هذه الشبكات لاستعادة الوصول إلى المنصات المحجوبة.
2. متصفح Tor
يساعد Tor على التصفح المجهول. إذ يُعيد توجيه البيانات عبر عدة نقاط آمنة، ويمنع تتبعها.
- ورغم بطء التصفح، يفضله الناشطون والصحفيون بسبب مستواه العالي من الخصوصية.
3. أدوات لامركزية مثل Briar وBridgefy
تسمح هذه التطبيقات بالتواصل من جهاز إلى آخر دون الحاجة إلى اتصال فعلي بالإنترنت.
- ظهرت أهمية هذه الأدوات في الاحتجاجات، حيث لا تعتمد على بنية الشبكة الوطنية.
ما أثر حجب الإنترنت على المجتمع؟
1. خسائر اقتصادية
عند توقف الشبكة، تتعطل التجارة الإلكترونية، والخدمات المالية، والتطبيقات الخدمية.
- وفق تقارير دولية، خسر الاقتصاد الهندي نحو 2.8 مليار دولار في عام واحد بسبب الحجب.
2. تعطيل التعليم والخدمات
في العديد من الدول، يعتمد التعليم عن بُعد والخدمات الحكومية على الإنترنت. يؤدي الحجب إلى توقف هذه الأنظمة، خاصة في المناطق الريفية.
- الطلاب يفقدون الدروس، والموظفون يتعذر عليهم أداء مهامهم، مما يخلق شللًا إداريًا.
3. كبح حرية التعبير
يمنع الحجب الأفراد من التعبير عن آرائهم، أو مشاركة المعلومات، أو توثيق الانتهاكات.
- في البيئات القمعية، يُستخدم الحجب لقمع المعارضين وإخفاء ما يجري عن العالم الخارجي.
أداة أمنية أم وسيلة سياسية؟
في بعض السياقات، يمكن للحجب أن يكون ردًا على تهديدات حقيقية. لكن في أغلب الأحيان، يُستخدم لأغراض سياسية بحتة.
- لا توفر الحكومات غالبًا تبريرات قانونية واضحة.
- كما أنها لا تتيح آليات مراجعة مستقلة للقرار.
لذلك، من المهم التفريق بين إجراءات مؤقتة لحماية الأمن، وأخرى تهدف للسيطرة الكاملة على تدفق المعلومات.
ما البدائل الممكنة للحجب الكامل؟
- الشفافية: يجب أن تُشرح أسباب أي حجب، ويُحدد نطاقه الزمني بوضوح.
- الرقابة القضائية: ينبغي أن تخضع القرارات لمراجعة من القضاء، لا أن تُتخذ من السلطة التنفيذية وحدها.
- التثقيف الإعلامي: يُمكن للبرامج التعليمية أن تحارب الشائعات بشكل أفضل من إغلاق الإنترنت.
لا يقتصر أثر حجب الإنترنت على توقف المواقع أو التطبيقات، بل يمتد إلى الاقتصاد، التعليم، وحرية الإنسان الأساسية. تُظهر التجارب أن استخدامه كأداة سياسية أكثر شيوعًا من كونه إجراءً أمنيًا حقيقيًا. لذلك، لا بد من تنظيمه قانونيًا، وتحديد شروطه، وضمان عدم تحوّله إلى وسيلة قمعية في يد الأنظمة.