في ظل تصاعد الخطاب السياسي حول الجريمة والمخدرات، اقترحت الحكومة الفرنسية مشروع قانون يهدف – كما تزعم – إلى مكافحة التهريب وتعزيز الأمن الداخلي. لكن في الواقع، يكشف تحليل نص القانون عن مخاطر جدية تهدد الحريات الأساسية للمواطنين. إذ تتوسع صلاحيات الشرطة والاستخبارات بشكل غير مسبوق، وتطال مجالات تتجاوز جرائم المخدرات.
توسيع مفرط لمفهوم “الجريمة المنظمة”
استُخدم مفهوم “الجريمة المنظمة” سابقًا لمحاربة شبكات التهريب الكبيرة. إلا أن مشروع القانون الحالي يعيد تعريف هذا المفهوم بطريقة واسعة. فبدلاً من التركيز على العصابات الخطرة، يشمل القانون أنشطة احتجاجية ونشاطات سياسية سلمية. وبذلك، قد يتحول أي تجمع منظم إلى هدف مشروع للمراقبة، ما يهدد النشاط المدني والديمقراطي.
تهديد واضح لتقنيات التشفير
يسمح القانون للسلطات بطلب وسائل تقنية تسمح بفك تشفير تطبيقات المراسلة. وقد يشمل ذلك أدوات شهيرة مثل “Signal” و”WhatsApp”. وبالتالي، يُجبر مزودو هذه الخدمات على التعاون الأمني، مما يُعرض خصوصية المستخدمين للخطر. والأسوأ من ذلك، أن فتح “أبواب خلفية” في أنظمة الحماية قد يُسهل وصول جهات غير حكومية إلى البيانات الشخصية.
آليات رقابة دون رقابة
أحد أخطر البنود هو إخفاء تفاصيل المراقبة عن القضاء والدفاع. إذ تُحفظ بيانات التحقيقات في ما يُعرف بـ”الصندوق الآمن”، ولا يمكن للمحامين أو المتهمين الاطلاع عليها. يؤدي ذلك إلى تقويض مبدأ العدالة، حيث يفقد المتهم حقه في الدفاع عن نفسه ضد أدلة لا يراها.
التحكم بالأجهزة الرقمية
يتضمن المشروع بندًا يسمح للشرطة بتنشيط الميكروفونات والكاميرات في الهواتف وأجهزة الحاسوب عن بُعد. وتُستخدم هذه الصلاحية بحجة “مراقبة النشاط الإجرامي”. إلا أن هذا الإجراء يُمكن أن يُطبق في غياب إشراف قضائي حقيقي، ما يهدد الحياة الخاصة للمواطنين حتى داخل منازلهم.
مراقبة رقمية جماعية
يوسع القانون من استخدام أدوات تحليل البيانات الضخمة، مثل “الصناديق السوداء”، لمراقبة سلوك المستخدمين على الإنترنت. وتجمع هذه التقنيات بيانات تصفح واتصالات على نطاق واسع. على الرغم من التبرير الرسمي الذي يدّعي أن الهدف هو مكافحة الإرهاب أو الجريمة المنظمة، إلا أن النطاق الشامل للمراقبة يفتح الباب أمام انتهاكات جسيمة للخصوصية.
التأثير على حرية التعبير
يُمنح جهاز الشرطة صلاحية واسعة في حظر أو إزالة محتوى الإنترنت الذي يشتبه في ارتباطه بالمخدرات. ومع غياب معايير دقيقة للتقييم، يمكن أن تمتد هذه الرقابة إلى منشورات سياسية أو إعلامية. وهذا يُعرض الحق في التعبير لخطر حقيقي، خاصة في بيئة تعاني أصلاً من توتر بين الدولة والمجتمع المدني.
استجابة القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني
تبنّى مجلس الشيوخ الفرنسي القانون بسهولة، مدعومًا من عدة أحزاب بما فيها الاشتراكيون والخضر. ومع ذلك، لا تزال الفرصة قائمة لرفضه في الجمعية الوطنية. منظمات مثل “لا كوادراتور دو نت” أطلقت حملات تعبئة عامة، وحثت المواطنين على التواصل مع ممثليهم. كما توفر أدوات رقمية ونماذج رسائل لتسهيل هذا التواصل.
دعوات للرفض وإعادة النظر
يؤكد المعارضون أن القانون ليس ضروريًا، إذ تملك السلطات بالفعل أدوات فعالة لمحاربة الجريمة. كما يحذرون من أن المزيد من الصلاحيات الأمنية غير الخاضعة للمساءلة يُمكن أن تؤدي إلى تجاوزات. ولذلك، يجب فتح نقاش وطني حول حدود تدخل الدولة، وضمان التوازن بين الأمن والحرية.
رغم أن مكافحة الجريمة تبقى ضرورة، إلا أن الإجراءات الاستثنائية يجب أن تخضع لرقابة صارمة. فمشروع القانون الفرنسي الأخير، وإن جاء تحت شعار حماية المجتمع، يخلق بيئة قانونية تسمح بانتهاك الحريات تحت غطاء الأمن. لذا، من المهم التحرك الآن لرفضه، والمطالبة بتشريعات تحترم الخصوصية، وتدعم الثقة بين الدولة والمجتمع.