أصبحت شركات التكنولوجيا العملاقة، مثل Google وMeta وApple، تمتلك كميات هائلة من بيانات المستخدمين. ومع هذا النفوذ، تتزايد الضغوط التي تمارسها الحكومات لطلب الوصول إلى تلك البيانات لأسباب متعددة، منها الأمن القومي، وإنفاذ القانون، وأحيانًا الرقابة السياسية.
يواجه هذا التداخل بين القطاعين العام والخاص انتقادات شديدة، خاصة في حال غياب الشفافية، أو التورط في انتهاكات حقوق الإنسان. ومن هنا، تتصاعد الحاجة لتقييم هذا التعاون من منظور أخلاقي وقانوني، يتجاوز مجرد الامتثال للإجراءات المحلية.
أنماط التعاون بين شركات التكنولوجيا والحكومات
1. مشاركة البيانات استجابةً لطلبات رسمية
تستقبل الشركات التقنية آلاف الطلبات الحكومية شهريًا، بهدف الوصول إلى بيانات مثل المحادثات، الموقع الجغرافي، أو محتوى الحسابات. وتستجيب لهذه الطلبات بنِسب متفاوتة، غالبًا بدون إشعار المستخدم.
- في 2022، كشفت Meta أنها تلقت أكثر من 230 ألف طلب حكومي عالمي، استجابت لنحو 70% منها.
- معظم هذه الطلبات ترتكز على تشريعات محلية تتيح للسلطات الوصول إلى البيانات دون مراجعة قضائية فعالة.
2. تكييف المنتجات مع سياسات الدول
في بعض الدول، تغيّر الشركات إعدادات منتجاتها أو تفرض قيودًا على المحتوى لترضى السلطات المحلية وتحتفظ بسوقها.
- حذفت TikTok وYouTube محتوىً سياسيًا بناءً على طلبات حكومية من دول مثل تركيا والهند.
- أوقفت بعض خدمات الرسائل التشفير الكامل في دول تشترط “أبوابًا خلفية” تتيح للجهات الأمنية الاطلاع على المراسلات.
3. تطوير أنظمة مراقبة خاصة للحكومات
في حالات محددة، ساعدت بعض الشركات في بناء أنظمة مراقبة مخصصة لأجهزة الدولة، سواء عن طريق التحليل السلوكي أو تقنية التعرف على الوجوه.
- ساهمت شركات برمجيات في توفير أدوات تحليلية لقواعد البيانات الأمنية في الصين، بما في ذلك تتبع الأفراد حسب هويتهم أو نشاطهم الرقمي.
حالات موثقة تكشف التعاون
Facebook: استجابة مفرطة؟
واجهت Facebook (حاليًا Meta) انتقادات بسبب تعاونها الوثيق مع حكومات متعددة. ففي دول مثل فيتنام، حذفت منشورات تنتقد الدولة، بعد ضغوط مباشرة من السلطات.
- كما تورطت في تسريب بيانات مستخدمين لشركات خارجية مثل Cambridge Analytica، ما أدى إلى استغلالها في حملات سياسية دون علم المستخدمين.
Apple: مفارقة الخصوصية
رغم شعارها “الخصوصية أولًا”، اضطرت Apple إلى نقل بيانات المستخدمين الصينيين إلى خوادم محلية تخضع لإشراف حكومي.
- وعلى النقيض، رفضت الشركة فتح هاتف متهم في قضية إرهابية بأمريكا عام 2016، مبررةً ذلك بحماية خصوصية جميع المستخدمين، ما أثار جدلًا قانونيًا وأخلاقيًا واسعًا.
Google: من مشروع Maven إلى الشفافية
شاركت Google في مشروع Maven مع وزارة الدفاع الأمريكية، الذي يهدف إلى تحسين تحليل صور الطائرات المسيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
- بعد احتجاجات داخلية من الموظفين، انسحبت الشركة من المشروع، مؤكدة أنها لن تطور تقنيات تُستخدم في الحرب أو القتل المستهدف.
الخصوصية مقابل الامتثال: معضلة قانونية وأخلاقية
تقول الشركات إنها تمتثل للقانون المحلي، لكن القوانين في بعض الدول لا تحترم المعايير الدولية للخصوصية وحقوق الإنسان.
- في دول استبدادية، يُستخدم القانون كأداة لإسكات المعارضة، لا لحماية الأمن.
- كما أن بعض الشركات لا تقدم شفافية كافية حول نوعية الطلبات أو ما إذا كانت مدعومة بأوامر قضائية.
المؤسسات الحقوقية تطالب هذه الشركات بأن تلتزم بسياسات تحترم المستخدم، لا الحكومات فقط، خاصة في البلدان التي تسجل انتهاكات ممنهجة.
ما الذي يُفترض أن تفعله الشركات؟
1. إصدار تقارير شفافة ودقيقة
ينبغي أن تواصل الشركات نشر تقارير نصف سنوية توضّح عدد ونوع الطلبات الحكومية، والدول التي تُقدّمها، ومدى الاستجابة لها.
2. حماية المستخدم بالتشفير الكامل
يوفر التشفير من طرف إلى طرف وسيلة لحماية المستخدمين حتى من الشركات نفسها، ويمنع أي جهة من اعتراض البيانات.
3. إنشاء لجان مراجعة مستقلة
وجود هيئة مستقلة داخل كل شركة، تراجع قانونية الطلبات الحكومية وتُقيّم أثرها على حقوق المستخدم، يعزز المساءلة.
تجد شركات التكنولوجيا نفسها في تقاطع حساس بين القانون والمساءلة الأخلاقية. وبينما يفرض القانون المحلي عليها التزامات معينة، يجب ألا تكون أداة في يد الحكومات لتقييد الحريات أو ملاحقة الأفراد.
بناء نموذج شفاف، محايد، وأخلاقي، يعزز ثقة المستخدم، ويحميه من أن يتحول إلى هدف في معادلة السلطة الرقمية. وفي النهاية، لا يجب أن تُباع الخصوصية مقابل حصة سوقية أو مكسب مؤقت.