تصيّد النشطاء: كيف تستهدف الحكومات المدافعين عن حقوق الإنسان؟

تصيّد النشطاء: كيف تستهدف الحكومات المدافعين عن حقوق الإنسان؟

تصيّد النشطاء: كيف تستهدف الحكومات المدافعين عن حقوق الإنسان؟

تتعرض شبكات النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان لاستهداف ممنهج من قبل بعض الحكومات باستخدام تقنيات مراقبة رقمية متطورة. تشمل أساليب التصيّد الرقمية زرع برمجيات خبيثة، مراقبة الاتصالات، وتتبع الموقع الجغرافي، في محاولات لإسكات الأصوات المعارضة. في المقابل، تقدم تقنيات الحماية الرقمية والمنظمات الحقوقية أدوات ودعمًا لحماية سلامة النشطاء وخصوصيتهم على الإنترنت.

في الوقت الذي يتنامى فيه استخدام التكنولوجيا في جميع مناحي الحياة، تتوسع كذلك أدوات القمع الرقمي المستخدمة ضد النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان. تتبنى بعض الحكومات تقنيات متقدمة لاختراق الخصوصية، وتقييد حرية التعبير، ومراقبة الحركات الاحتجاجية أو التوعية المجتمعية. لم تعد هذه الممارسات مقتصرة على الرقابة التقليدية، بل أصبحت تعتمد على استراتيجيات رقمية معقدة تستهدف الهواتف الذكية، التطبيقات، والبريد الإلكتروني.

تسعى هذه الحملات في كثير من الأحيان إلى السيطرة على المعلومات، أو إلى استخدام البيانات المسروقة لتجريم النشطاء أو التشهير بهم. وعلى الرغم من ذلك، لا يقف النشطاء مكتوفي الأيدي، بل يتجهون إلى تبني تقنيات مضادة لحماية أنفسهم وشبكاتهم.

أساليب الهجمات الرقمية على النشطاء

تعتمد الجهات المنفذة لعمليات التصيّد على مجموعة من الأدوات والتقنيات التي تسعى لاختراق الأجهزة أو مراقبة الاتصالات الشخصية والمهنية.

1. زرع البرمجيات الخبيثة

يُعد إرسال برمجيات تجسس خفية أحد أكثر الأساليب شيوعًا لاستهداف النشطاء. يتم ذلك غالبًا من خلال روابط مصممة خصيصًا أو ملفات مرفقة تحتوي على شفرات خبيثة.

  • بمجرد فتح الملف، يُصاب الجهاز ببرمجيات مثل Pegasus أو FinFisher، والتي تتيح للمهاجم الاطلاع على الرسائل، الصور، وحتى التنصت على المكالمات.
  • هذه البرمجيات قادرة على العمل دون علم المستخدم، ما يزيد من خطورتها ويصعّب اكتشافها دون أدوات تحليل متقدمة.

2. مراقبة الاتصالات والتنصت

تستهدف بعض الهجمات المكالمات الصوتية والمحادثات عبر تطبيقات التواصل، حيث يتم تسجيلها أو تحويلها إلى بيانات قابلة للتحليل.

  • في بعض الحالات، تستعين الحكومات بشركات خاصة لتزويدها بأنظمة مراقبة متقدمة تمكنها من جمع بيانات المراسلات لحظة بلحظة.
  • يمكن لهذه الأنظمة تتبع المحادثات على منصات مشفرة، أو اعتراض البيانات أثناء النقل، خاصة في الدول التي تتحكم بمزودي خدمة الإنترنت.

3. تتبع الموقع الجغرافي

من خلال استغلال بيانات الهاتف المحمول أو تطبيقات الملاحة، يمكن للمهاجمين تتبع أماكن وجود النشطاء وتنقلاتهم.

  • تُستخدم هذه المعلومات في توقيت الاعتقالات أو مراقبة اللقاءات السرية، ما يهدد أمن الشبكات الحقوقية.
  • في بعض الأحيان، تعتمد الجهات المهاجمة على شبكات الواي فاي المفتوحة أو نقاط الاتصال المزيفة لاختراق أجهزة النشطاء.

أمثلة موثقة على استهداف النشطاء

شهدت السنوات الأخيرة عدة تقارير توثق استهداف نشطاء بارزين باستخدام أدوات رقمية متقدمة:

  • وثقت منظمة “Citizen Lab” حالات تم فيها استهداف صحفيين وحقوقيين باستخدام برنامج بيغاسوس في دول متعددة.
  • في بعض الدول، تعرض محامون ومدافعون عن السجناء السياسيين لاختراق حساباتهم الإلكترونية واستخدام البيانات ضدهم في المحاكم.

هذه الحوادث ليست استثنائية، بل أصبحت جزءًا من استراتيجيات ممنهجة تستهدف الفاعلين في المجال المدني.

كيف يمكن للنشطاء حماية أنفسهم؟

في مواجهة هذا الواقع، يحتاج النشطاء إلى تبني استراتيجيات دفاع رقمية متقدمة. توجد مجموعة من الأدوات والممارسات التي تعزز أمنهم الرقمي وتقلل من مخاطر الاختراق:

1. استخدام التشفير الكامل للاتصالات

  • يجب على النشطاء استخدام تطبيقات محادثة تعتمد على تشفير من الطرف إلى الطرف مثل Signal أو Session.
  • من الضروري أيضًا تشفير الملفات المخزنة على الأجهزة باستخدام أدوات مثل VeraCrypt أو Cryptomator.

2. الامتناع عن فتح الروابط والمرفقات المشبوهة

  • لا يُنصح بفتح رسائل بريد إلكتروني أو روابط مجهولة المصدر.
  • يجب التأكد من هوية المرسل باستخدام تقنيات التوقيع الرقمي أو الرسائل الموثوقة فقط.

3. استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN)

  • توفر خدمات VPN الجيدة حماية من تتبع الموقع وتشفير حركة الإنترنت.
  • يجب اختيار خدمات لا تحتفظ بسجلات وتعمل في دول لا تخضع لمراقبة صارمة.

4. الاعتماد على أنظمة تشغيل آمنة

  • يمكن استخدام أنظمة تشغيل مثل Tails أو Qubes OS التي صُممت خصيصًا لتقليل أثر المراقبة والتجسس.
  • يفضّل فصل الأنشطة الحساسة عن الأجهزة الشخصية أو اليومية لتقليل نقاط الضعف.

دور المنظمات الدولية في دعم النشطاء

تلعب المؤسسات الحقوقية والتقنية دورًا مهمًا في تدريب النشطاء وتزويدهم بالأدوات اللازمة لحمايتهم.

  • تقدم منظمات مثل Front Line Defenders وAccess Now تدريبات على الأمن الرقمي وتمنح منحًا لحماية المدافعين المعرّضين للخطر.
  • تساهم تقارير المؤسسات البحثية في كشف أدوات التجسس وفضح الشركات المتورطة في بيعها.
  • توفر منصات مثل Security in-a-Box أدوات مفتوحة المصدر وأدلة مفصلة للأمان الرقمي موجهة للعاملين في المجال الحقوقي.

أصبحت المعركة من أجل حقوق الإنسان لا تقتصر على الشوارع والمحاكم، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي. يتطلب ذلك من النشطاء فهمًا عميقًا للتقنيات التي قد تُستخدم ضدهم، وتبني أساليب حماية تكنولوجية متقدمة. في المقابل، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق المجتمع الدولي لضمان أن يظل الدفاع عن الحقوق والحريات ممكنًا وآمنًا في العالم الرقمي.

شارك