الحرية تُكتب بحروف مُشفرة
في بيئات يسود فيها القمع الرقمي، لا يكون الأمن المهني للصحفي رفاهية، بل ضرورة يومية. العالم العربي، بمزيجٍ من الحروب والأنظمة السلطوية وضعف البنى القانونية، بات أحد أخطر الأماكن لممارسة العمل الصحفي الحر. لذا، فإن الصحفيين لم يعودوا يعتمدون فقط على أقلامهم أو كاميراتهم، بل أيضاً على أدوات تشفير تتيح لهم التواصل بأمان مع مصادرهم، حماية ملفاتهم الحساسة، وتجنّب الملاحقة القانونية أو حتى الجسدية.
لكن السؤال الجوهري يظل مطروحًا: هل هذه الأدوات فعالة فعلاً في مواجهة أنظمة رقابة متقدمة تقنيًا؟ وهل يستطيع الصحفي العربي الاستمرار في الاعتماد عليها وسط تطور تقنيات الاختراق والتجسس؟
الواقع الرقمي في العالم العربي: خريطة الخطر
تشهد بعض دول المنطقة العربية تطورًا ملحوظًا في أدوات المراقبة السيبرانية، يتمثل في استيراد تقنيات تجسس متقدمة، مثل برمجيات “بيغاسوس” الإسرائيلية أو أدوات “سيريبروس” الإيطالية. وقد وثّقت منظمات مثل “مراسلون بلا حدود” و”هيومن رايتس ووتش” استخدام هذه الأدوات لاستهداف صحفيين ونشطاء عبر هواتفهم الذكية، حتى مع اعتمادهم على تطبيقات مشفّرة.
في دول مثل مصر، السعودية، الإمارات وسوريا، لا يقتصر التهديد على الجانب الرقمي فقط، بل يتعداه إلى ملاحقات قانونية بتهم فضفاضة مثل “نشر أخبار كاذبة” أو “تهديد الأمن القومي”، يتم تبريرها غالبًا من خلال بيانات الاتصالات أو المحادثات التي تم اختراقها أو الوصول إليها بطريقة ما.
أدوات التشفير تحت المجهر: تحليل فعالية أبرز التطبيقات
فيما يلي عرض لأبرز أدوات التشفير التي يعتمد عليها الصحفيون العرب، مع تحليل لمزاياها ونقاط ضعفها في السياق العربي:
1. تطبيق Signal
- الخصائص: تشفير من طرف إلى طرف، مفتوح المصدر، يدعم الرسائل والمكالمات الصوتية والفيديو.
- الفعالية: يُعتبر Signal من أكثر التطبيقات أمانًا عالميًا. تعتمد عليه منظمات حقوقية وصحفية عديدة.
- نقاط الضعف: يحتاج إلى رقم هاتف للتسجيل، مما قد يكون نقطة كشف في الدول التي تفرض تسجيل البطاقات SIM بهويات رسمية.
2. تطبيق ProtonMail
- الخصائص: خدمة بريد إلكتروني مشفرة بالكامل، تعتمد خوادمها في سويسرا.
- الفعالية: مناسبة للمراسلات الحساسة وتبادل المستندات، خاصة بفضل خاصية التدمير الذاتي للرسائل.
- نقاط الضعف: إمكانية تعقب عنوان IP في حال لم يستخدم المستخدم شبكة VPN أو Tor.
3. متصفح Tor
- الخصائص: يخفي هوية المستخدم وموقعه باستخدام نظام إعادة توجيه متعدد الطبقات.
- الفعالية: فعال جدًا لتجاوز حجب المواقع والدخول إلى الإنترنت المظلم.
- نقاط الضعف: قد تراقب بعض الدول استخدام Tor نفسه، مما يثير الشبهات.
4. تطبيق Briar
- الخصائص: يتيح المراسلة بدون إنترنت باستخدام Bluetooth أو Wi-Fi.
- الفعالية: مثالي في حالات انقطاع الإنترنت أو الحظر الشامل.
- نقاط الضعف: يفتقر إلى واجهة مستخدم سهلة، وانتشاره محدود بين المستخدمين.
الاعتقال الرقمي: حين تصبح البيانات أداة إدانة
يُستخدم مصطلح “الاعتقال الرقمي” لوصف شكل جديد من أشكال القمع، حيث يتم توقيف الأفراد بناءً على ما يتم رصده رقمياً من اتصالات، منشورات، أو حتى تطبيقات محمّلة على هواتفهم. في العديد من الحالات، أُدين صحفيون بتهم جنائية استنادًا إلى بيانات مستخرجة من أجهزتهم المصادرة أثناء الاعتقال.
وتكمن المشكلة في أن أدوات التشفير، رغم قوتها التقنية، لا تحمي من المصادرة الجسدية للجهاز، وهو ما يجعل الصحفي بحاجة إلى طبقات أمن متعددة: تشفير، حذف تلقائي، كلمات مرور قوية، وتخزين سحابي مشفّر.
التحدي الثقافي والتقني: فجوة المعرفة الرقمية
رغم توفر أدوات التشفير، إلا أن الفجوة المعرفية لا تزال عائقًا كبيرًا أمام الاستخدام الفعال لها. كثير من الصحفيين المستقلين في الأرياف أو المدن الصغيرة لا يمتلكون المهارات التقنية لفهم كيفية استخدام هذه الأدوات بشكل آمن. والأسوأ، أن البعض يثق بتطبيقات شائعة لكنها غير آمنة، مثل WhatsApp أو Facebook Messenger.
لذلك، فإن التدريب الرقمي أصبح حاجة ملحة، لا تقتصر على المبتدئين بل تشمل حتى الصحفيين المحترفين، خاصة مع تسارع وتيرة تطور أدوات الهجوم الإلكتروني.
هل من استراتيجية مستدامة؟
الاعتماد على أدوات التشفير وحدها لا يكفي. يجب أن تكون هناك منظومة حماية رقمية متكاملة تشمل:
- استخدام أجهزة منفصلة للعمل الحساس.
- مسح البيانات الحساسة بشكل دوري.
- التحقق من صلاحيات التطبيقات.
- التدريب المستمر على أمن المعلومات.
- شبكات دعم مهنية لتبادل الخبرات والخطر المحتمل.
كما أن وجود جهات دولية تدعم حرية الصحافة، من خلال تمويل حلول تقنية مفتوحة المصدر وتقديم التدريب، أصبح ضرورة وجودية في ظل غياب الضمانات القانونية المحلية.
معركة الوعي ضد هندسة القمع
الرقابة في العالم العربي لم تعد تقتصر على الحبر والورق. إنها الآن تتحرك في صمت داخل الأجهزة الذكية، تراقب وتنتظر. في المقابل، أدوات التشفير ليست مجرد تقنيات، بل أدوات مقاومة، وأحيانًا وسائل نجاة. لكن يبقى الرهان الأكبر على وعي الصحفي العربي، واستعداده المستمر لتطوير نفسه رقميًا، في معركة لا تزال مستمرة بين السلطة والمعلومة، بين القمع والحقيقة.