بين الشاشة والتشفير: من يحمي خصوصيتك فعلاً؟

بين الشاشة والتشفير: من يحمي خصوصيتك فعلاً؟

بين الشاشة والتشفير: من يحمي خصوصيتك فعلاً؟

شارك

رغم أن خدمات الترفيه مثل Netflix وSpotify تعتمد تقنيات تشفير متقدمة، إلا أن خصوصية المستخدم لا تزال موضع شك. تبحث هذه المقالة في كيف توفّر الشركات الأمان التقني مقابل جمع بيانات الاستخدام، وتناقش ما إذا كانت الخصوصية تُحمى... أم تُباع بهدوء.

الترفيه أصبح منصة مراقبة ناعمة

عند تشغيل حلقة من مسلسل على منصة بث مباشر أو الاستماع لقائمة موسيقية على تطبيق شهير، يظن المستخدم أن ما يفعله محاط بالسرية. لكن الواقع التقني مختلف تمامًا. فخلف واجهات الاستخدام البسيطة، توجد أنظمة معقدة تجمع، تحلل، وتخزّن كل ضغطة، وكل ثانية مشاهدة، وكل تفضيل شخصي.

تقنيات التشفير مثل TLS وHTTPS تُستخدم بالفعل لحماية بيانات الاتصال بين المستخدم والخادم. لكن السؤال الحقيقي هو: هل هذا التشفير يضمن الخصوصية الفعلية، أم يُستخدم لحماية البيانات أثناء تجميعها لأغراض تجارية؟

ما الذي تقوم التطبيقات بتشفيره فعلًا؟

عند فتح تطبيق بث مثل YouTube أو Disney+، يتم تشفير الاتصال بين الجهاز والخوادم باستخدام بروتوكولات مثل HTTPS وTLS. هذا يعني أن بيانات الاستخدام لا يمكن اعتراضها بسهولة من طرف خارجي.

لكن في الوقت ذاته، تبقى هذه البيانات مرئية تمامًا للطرف المُقدم للخدمة. بمعنى آخر، الشركة تعرف بدقة:

  • ما الذي تشاهده؟
  • متى تشاهده؟
  • من أي جهاز؟
  • كم من الوقت قضيت؟
  • متى توقفت؟
  • وماذا شاهدت بعد ذلك؟

وبهذا، فإن التشفير لا يمنع الشركة من الوصول للبيانات، بل يمنع الآخرين فقط من التطفل عليها.

الخصوصية في مقابل التحسين

تعتمد معظم خدمات الترفيه على تحليل سلوك المستخدمين لتحسين خوارزميات التوصية، واجهات الاستخدام، وحتى تصميم المحتوى نفسه. على سبيل المثال، تقوم بعض المنصات بتعديل نهاية مسلسل ما استنادًا إلى تفاعلات الجمهور في حلقات سابقة.

لكن هذا التتبع يطرح إشكالية أخلاقية:
هل يوافق المستخدم فعلًا على مشاركة هذا الكم من البيانات، أم أن الموافقة مدفونة في شروط استخدام لا يقرأها أحد؟

من جهة أخرى، تدافع الشركات عن نفسها بالقول إنها تستخدم البيانات لتحسين تجربة المستخدم وليس لاستغلاله. ومع ذلك، كثير منها يحتفظ بحق مشاركة البيانات مع “شركاء استراتيجيين”، وغالبًا لأغراض تسويقية.

التشفير لا يمنع التتبع

يخلط البعض بين الخصوصية والأمان التقني. فرغم أن التشفير يمنع الجهات الخارجية من التجسس، إلا أنه لا يمنع مزوّد الخدمة من جمع البيانات وتحليلها داخليًا.

حتى عند استخدام اتصال مشفّر، يمكن لمزود الخدمة:

  • جمع بيانات الاستخدام وتحليلها سلوكيًا
  • بناء ملفات تعريف رقمية لكل مستخدم
  • استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوقع سلوك المستخدم
  • مشاركة هذه البيانات مع جهات إعلانية أو شركات تحليل بيانات

وبالتالي، فإن المستخدم لا يملك تحكمًا فعليًا في ما يحدث “خلف الشاشة”.

هل يُباع المحتوى أكثر من مرّتين؟

في بعض الحالات، تُعتبر بيانات الاستخدام أكثر قيمة من الخدمة نفسها. فمثلًا، قد تبيع شركات الإعلانات مساحات بناءً على التفاعل الحقيقي وليس فقط الاهتمام المعلن.

أمثلة تشمل:

  • بيع بيانات “المدة التي يقضيها المستخدم أمام إعلان معين”
  • تحليل أنماط السلوك مثل “التوقف المفاجئ” أو “تغيير الصوت”
  • مشاركة قائمة التفضيلات مع شركات إنتاج لاستهداف الفئات العمرية بدقة

هكذا، يتحول المستخدم من مستهلك إلى منتج يُباع في السوق الإعلانية.

أدوات تساعد المستخدم على استعادة السيطرة

رغم محدودية الخيارات، إلا أن هناك أدوات وتقنيات يمكن للمستخدم العادي تطبيقها لحماية خصوصيته إلى حد مقبول:

1. تقييد أذونات التطبيقات

يُنصح بمنع التطبيقات من الوصول إلى الميكروفون أو الموقع إن لم يكن ذلك ضروريًا.

2. استخدام شبكات VPN موثوقة

VPN قد يساعد في إخفاء عنوان IP ومنع تتبع الموقع الجغرافي.

3. حذف السجل يدويًا

بعض التطبيقات تتيح للمستخدم حذف سجل المشاهدة والاستماع يدويًا. يُفضّل فعل ذلك دوريًا.

4. استخدام متصفحات تُركّز على الخصوصية

مثل Brave أو Firefox مع إعدادات صارمة لحظر أدوات التتبع.

5. قراءة سياسات الخصوصية

رغم صعوبتها، إلا أن مراجعة سياسة الاستخدام تكشف الكثير من الثغرات التي تُخفيها واجهة الاستخدام.

منظمات تراقب… لكن بهدوء

عدد من المنظمات الدولية مثل EFF وPrivacy International تعمل على فضح ممارسات الشركات الترفيهية في ما يتعلق بجمع البيانات. كما تُشجع على إصدار قوانين تُجبر الشركات على توضيح ما يتم جمعه فعليًا، وتقديم خيار حقيقي للمستخدم للانسحاب من هذا الجمع.

ورغم ذلك، لا تزال التشريعات في معظم الدول متأخرة أمام سرعة التطور التقني، خصوصًا في العالم العربي، حيث لا توجد حتى الآن قوانين صريحة لحماية خصوصية بيانات الترفيه.

هل هناك بدائل تحترم الخصوصية؟

نعم، هناك تطبيقات وخدمات بدأت تتخذ من الخصوصية ميزة تنافسية، مثل:

  • Tubi: خدمة بث مجانية لا تطلب تسجيل دخول
  • Plex: مشغل وسائط محلي يُمكن استخدامه دون مشاركة بيانات
  • Kodi: منصة مفتوحة المصدر، يمكن تعديل إعداداتها بالكامل لحماية البيانات

هذه الخيارات قد لا تكون جذابة من حيث الواجهة أو المحتوى، لكنها تُعطي المستخدم ما افتقده في المنصات التجارية: السيطرة.

خاتمة: الخصوصية ليست رفاهية

في النهاية، لا يتعلق الأمر بالتقنية فقط، بل بالثقة. هل نثق أن الشركات ستستخدم البيانات لمصلحتنا؟ أم أننا بحاجة لتغيير العلاقة تمامًا بيننا وبين المنصات الترفيهية؟

التشفير، رغم ضرورته، ليس ضمانًا للخصوصية. بل هو مجرد أداة ضمن منظومة أكبر. ولكي تكون الخصوصية فعلًا جزءًا من التجربة الترفيهية، لا بد من وعي المستخدم، وشفافية الشركات، وتشريعات تُجبر الجميع على احترام حدود الشاشة.

شارك