فرض التوسع في استخدام التشفير تحديات جديدة على العلاقة بين الدولة، الأفراد، والشركات. بينما يعتمد الأفراد على تقنيات التشفير لحماية بياناتهم، ترى الحكومات أنها تُقيّد قدرتها على مكافحة الجريمة والإرهاب. وهنا يظهر سؤال جوهري: هل من الأخلاقي أن تُجبر الحكومات الشركات على تسليم مفاتيح التشفير؟ وهل التضحية بالخصوصية الرقمية تُعد ثمنًا مقبولًا مقابل تحقيق العدالة؟
خصوصية المستخدم حق لا يجوز التنازل عنه
تشكل الخصوصية الرقمية امتدادًا للحريات الأساسية التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فهي لا تحمي فقط بيانات الأفراد، بل تضمن أيضًا أمنهم الشخصي وكرامتهم الإنسانية. وعندما تفتح الشركات بابًا للحكومات، فهي بذلك تُعرض الملايين لاحتمال المراقبة والانتهاك، حتى إن كان ذلك بحجة العدالة.
علاوة على ذلك، يؤدي فقدان الثقة في حماية البيانات إلى تراجع استخدام الخدمات الرقمية، مما يؤثر على الاقتصاد الرقمي والمجتمع المدني معًا.
منطق الحكومات: لا عدالة دون وصول للمعلومات
تدافع الحكومات عن موقفها باعتبار أن بعض الجرائم، خاصة المرتبطة بالإرهاب أو الاستغلال الجنسي للأطفال، تعتمد على وسائل مشفّرة. وتؤكد أن التشفير القوي قد يُعيق سير التحقيقات، ويمنح المجرمين وسيلة للاختفاء خلف جدران رقمية محصّنة.
وفق هذا المنطق، لا تطالب الحكومات بكسر التشفير للجميع، بل فقط في حالات محددة ووفق أوامر قضائية. غير أن السؤال هنا هو: هل يمكن تقنيًا تحديد هذه الحالات دون خلق ثغرة شاملة؟
المخاطر التقنية لا يمكن تجاهلها
يُجمع خبراء الأمن السيبراني على أن إنشاء “باب خلفي” في أي نظام تشفير يُهدد سلامة البنية الرقمية بأكملها. إذ لا يمكن تصميم آلية تمنح صلاحية الوصول لجهة معينة دون تعريض النظام ككل للاختراق. هذه الثغرات غالبًا ما تُستغل من أطراف غير قانونية، مما يحوّل الأداة الأمنية إلى خطر دائم.
بالإضافة إلى ذلك، يُعد فتح باب خلفي سابقة قد تطالب به أنظمة استبدادية لاحقًا لقمع المعارضين أو مراقبة الصحفيين.
الشركات في قلب التحدي الأخلاقي
لا تستطيع شركات التكنولوجيا التهرب من المسؤولية. فهي تمثل حامي البيانات الأول. ومع كل طلب حكومي، تجد نفسها مطالبة باتخاذ قرار أخلاقي: حماية مستخدميها أم التعاون مع الدولة؟ لا يُمكن تبسيط هذا الخيار، لأنه يتضمن مفاهيم متعارضة مثل الواجب القانوني، والولاء للمستخدم، ومصلحة المجتمع.
لذلك، تحتاج هذه الشركات إلى سياسات شفافة، تحدد كيفية التعامل مع طلبات الوصول، وتُخضع هذه الطلبات لمراجعة قانونية وأخلاقية محايدة.
هل هناك بدائل متوازنة؟
يمكن إيجاد حلول تقنية وقانونية تحترم الطرفين:
- تطوير أدوات تحقيق ذكية تُمكّن الجهات الرسمية من كشف الأنشطة المشبوهة دون اختراق خصوصية الجميع.
- استخدام التشفير المتعدد الطبقات، بحيث يُسمح بالوصول لأجزاء محددة فقط من البيانات، وبموافقة قضائية.
- إنشاء هيئات رقابة مستقلة تشرف على كل طلب وصول وتضمن التزامه بالمعايير الأخلاقية والقانونية.
الممارسات الدولية: بين التشديد والمرونة
اعتمدت أستراليا قانونًا يُجبر الشركات على التعاون مع السلطات لفك التشفير، رغم اعتراضات المجتمع المدني وخبراء التقنية. في المقابل، رفضت ألمانيا وهولندا هذه السياسات، معتبرة أن أي تقويض للتشفير يهدد الديمقراطية وسيادة القانون.
تُبرز هذه التفاوتات الحاجة إلى مقاربة دولية شاملة، تُراعي السياقات المختلفة وتُوازن بين الحقوق والواجبات.
يُعد إجبار الشركات على تسليم مفاتيح التشفير قضية معقدة تمس جوهر القيم الحديثة: حرية الفرد، أمن المجتمع، وسيادة القانون. ويكمن الحل في بناء ثقة متبادلة بين الأطراف، وتطوير تقنيات تُراعي الخصوصية دون إعفاء المجرمين من المحاسبة.
يبقى التشفير حقًا، لا عائقًا. والمطلوب ليس إلغاءه، بل استخدامه ضمن منظومة تضمن الأمن دون أن تُسقط مبادئ العدالة أو تُضعف حرمة الحياة الرقمية.