صحافة مستقلة في مناطق مقيدة: تحديات من نوع خاص
يعمل الصحفيون المستقلون غالبًا في بيئات صعبة. بعضهم يغطي أحداثًا في دول تحدّ من حرية الرأي، وتراقب الإعلام عن كثب. في مثل هذه البيئات، قد يواجه المراسلون مخاطر كبيرة لمجرد تسجيل فيديو أو التقاط شهادة من شاهد عيان.
التكنولوجيا جاءت لتقدم لهم أدوات مساعدة. لكن أدوات اليوم ليست مجرد كاميرات خفية أو أجهزة تسجيل مشفرة. الذكاء الاصطناعي دخل اللعبة بقوة، ليغيّر شكل الصحافة الاستقصائية.
كيف يستخدم المراسلون الذكاء الاصطناعي لجمع الأدلة بسرية؟
خوارزميات ترصد ما يصعب على العين ملاحظته
يعتمد بعض الصحفيين على برامج تعلم آلي مدربة على كشف أنماط معينة. مثلًا، يمكن لهذه الخوارزميات التعرف على تشكيلات عسكرية أو نوع خاص من المركبات حتى في صور ذات جودة متوسطة. بهذا، لا يضطر الصحفي لتمشيط آلاف الصور يدويًا، ما يقلل الوقت ويحدّ من خطر اكتشافه.
إخفاء ذكي للهوية والموقع
هناك أدوات تعلم آلي تمحو الوجوه تلقائيًا من الصور والفيديوهات، أو تحذف بيانات الموقع (metadata) التي ترافق الملفات. هذا يجعل من الصعب على أي جهة تتبع مكان الصحفي أو مصادره لاحقًا.
التحليل محليًا وبصمت
بعض التطبيقات تُجري التحليل مباشرة على هاتف الصحفي أو حاسوبه المحمول. لا ترسل البيانات إلى أي خادم خارجي. هذا يقلل فرص اعتراض طرف ثالث لهذه المعلومات، ويحمي المراسل إن صودرت أجهزته.
أمثلة حية: مناطق اختبرت هذه الأدوات بالفعل
بيلاروسيا: تغطية الاحتجاجات بأقل ظهور ميداني
خلال احتجاجات بيلاروسيا ضد نتائج الانتخابات، استخدم مراسلون محليون أدوات ذكاء اصطناعي لتحليل مقاطع الفيديو التي تصلهم من متظاهرين. هذه الأدوات ميزت مركبات الشرطة وأنماط انتشارها. هكذا وثقوا الانتهاكات دون الاضطرار للوجود قرب الخطر.
ميانمار: رصد تهجير الأقليات عبر الأقمار الصناعية
لأن الذهاب إلى مناطق النزاع داخل ميانمار كان شبه مستحيل، لجأت فرق صحفية دولية إلى تحليل صور أقمار صناعية عبر خوارزميات تكشف آثار إزالة القرى وبناء معسكرات جديدة. هذا مكّنهم من إعداد تقارير مدعومة بالأدلة دون تعريض أي مراسل ميداني للخطر.
الخليج: كشف ظروف سكن العمال بسرية
في بعض دول الخليج، استخدمت فرق صحفية تقنيات تعلم آلي لتحديد أنماط سكن العمال المهاجرين من صور عادية التقطوها بسرية. ثم قارنوها بمعايير المساحة الصحية، فتوصلوا إلى إثباتات عن ظروف سكن مزدحمة وغير آمنة، دون الحاجة لمقابلات قد تعرض هؤلاء العمال للترحيل.
أخلاقيات وتقنيات: أين تكمن المخاوف؟
قواعد بيانات التدريب المجهولة
تعتمد خوارزميات التعلم الآلي على بيانات تدريب هائلة. أحيانًا لا يعرف الصحفيون أصل هذه البيانات. هل التُقطت بموافقة الأشخاص؟ هل تحترم خصوصياتهم؟ هنا يبدأ الجدل الأخلاقي.
أدوات مكشوفة قد تنقلب على مستخدميها
إذا عرفت السلطات الأداة التي يستخدمها الصحفيون، قد تطور برامج مضادة تعطلها أو ترسل بيانات زائفة تخدع النظام. هذه مخاطرة حقيقية في البيئات التي تتقن الرقابة الرقمية.
أخطاء الخوارزميات قد تُهمل أدلة هامة
حتى أقوى برامج التعلم الآلي قد ترتكب أخطاء في التمييز بين نمط وآخر. الثقة المفرطة فيها قد تجعل الصحفي يتجاهل معلومات يراها الخبراء البشريون هامة.
كيف يمكن للصحفيين استخدام هذه الأدوات دون تعريض أنفسهم للخطر؟
لا تغفل الحكم البشري
يجب أن تبقى الخوارزميات أدوات مساعدة. القرار النهائي حول قيمة الدليل، أو مدى صحته، ينبغي أن يظل بيد الصحفي ومحرريه.
اختر البرامج المدققة والمفتوحة المصدر
يفضل استخدام أدوات خضعت لتدقيق أمني أو متاحة كمشاريع مفتوحة المصدر. هذا يمنح المستخدم فرصة معرفة كيف يُعالج البرنامج بياناته فعلًا.
احفظ الأدلة في مساحات مشفرة
حتى لو كانت الأداة تحلل البيانات محليًا، ينبغي تخزين النتائج في مساحات مشفرة. إن صودرت الأجهزة، يصعب جدًا فك التشفير دون كلمة مرور قوية.
إلى أين يتجه مستقبل الصحافة المدعومة بالذكاء الاصطناعي؟
من المتوقع أن تزداد هذه الأدوات ذكاء. مثلًا قد تظهر قريبًا برامج:
- تكشف أصوات إطلاق النار أو تجمعات الهتافات من الخلفية الصوتية تلقائيًا.
- تتحقق آليًا من الصور لتكشف إن كانت معدلة أو مزورة.
- تولد تقارير مبدئية من عشرات المصادر الإعلامية خلال دقائق.
لكن في المقابل، ستطور بعض الأنظمة القمعية أدوات تعاكسها تمامًا: خوارزميات ترصد استخدام هذه التطبيقات، أو تزرع بيانات مضللة لتقود الصحفيين إلى استنتاجات خاطئة.
حرية الإعلام والتقنية: شراكة معقدة
التعلم الآلي بات حليفًا حقيقيًا للصحافة الاستقصائية في البيئات المقيدة. لكنه حليف يجب التعامل معه بوعي. إذ قد ينقلب في لحظة إلى مصدر تهديد، إذا أسيء استخدامه أو فُهمت نتائجه على نحو خاطئ.
المستقبل لن يقلل الحاجة إلى الصحفي البشري المتمرس. بل سيجعل خبرته أكثر أهمية في تفسير ما يقدمه الذكاء الاصطناعي، والتحقق من صحته، وضمان أن يبقى الصحفي — وليس الخوارزمية — من يقود دفة الحقيقة.